فخر الدين الرازي
517
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
يصلح للدلالة على النبوة إلا هذه / اللفظة فوجب حملها عليها . الثاني : أن الحكم هو ما يصلح لأن يحكم به على غيره ولغيره على الإطلاق وذلك لا يكون إلا بالنبوة فإن قيل كيف يعقل حصول العقل والفطنة والنبوة حال الصبا ؟ قلنا : هذا السائل ، إما أن يمنع من خرق العادة أو لا يمنع منه ، فإن منع منه فقد سد باب النبوات لأن بناء الأمر فيها على المعجزات ولا معنى لها إلا خرق العادات ، وإن لم يمنع فقد زال هذا الاستبعاد فإنه ليس استبعاد صيرورة الصبي عاقلا أشد من استبعاد انشقاق القمر وانفلاق البحر . الصفة الثالثة : قوله تعالى : وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا اعلم أن الحنان أصله من الحنين وهو الارتياح والجزع للفراق كما يقال : حنين الناقة وهو صوتها إذا اشتاقت إلى ولدها ذكر الخليل ذلك في الحديث : « أنه عليه السلام كان يصلي إلى جذع من المسجد فلما اتخذ له المنبر وتحول إليه حنت تلك الخشبة حتى سمع حنينها » . فهذا هو الأصل ثم قيل : تحنن فلان على فلان إذا تعطف عليه ورحمه ، وقد اختلف الناس في وصف اللّه بالحنان فأجازه بعضهم ، وجعله بمعنى الرؤوف الرحيم ، ومنهم من أباه لما يرجع إليه أصل الكلمة قالوا : لم يصح الخبر بهذه اللفظة في أسماء اللّه تعالى ، إذا عرفت هذا فنقول : الحنان هنا فيه وجهان . أحدهما : أن يجعل صفة للّه . وثانيهما : أن يجعل صفة ليحيي أما إذا جعلناه صفة للّه تعالى فنقول : التقدير وآتيناه الحكم حنانا أي رحمة منا ، ثم هاهنا احتمالات : الأول : أن يكون الحنان من اللّه ليحيى ، المعنى : آتيناه الحكم صبيا ، ثم قال : وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا أي إنما آتيناه الحكم صبيا حنانا من لدنا عليه أي رحمة عليه وزكاة أي وتزكية له وتشريفا له . الثاني : أن يكون الحنان من اللّه تعالى لزكريا عليه السلام فكأنه تعالى قال : إنما استجبنا لزكريا دعوته بأن أعطيناه ولدا ثم آتيناه الحكم صبيا وحنانا من لدنا عليه أي على زكريا فعلنا ذلك . وَزَكاةً أي وتزكية له عن أن يصير مردود الدعاء . والثالث : أن يكون الحنان من اللّه تعالى لأمة يحيى عليه السلام كأنه تعالى قال : وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا * وَحَناناً منا على أمته لعظيم انتفاعهم بهدايته وإرشاده ، أما إذا جعلناه صفة ليحيى عليه السلام ففيه وجوه . الأول : آتيناه الحكم والحنان على عبادنا أي التعطف عليهم وحسن النظر على كافتهم فيما أوليه من الحكم عليهم كما وصف نبيه فقال : فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ [ آل عمران : 159 ] وقال : حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [ التوبة : 128 ] ثم أخبر تعالى أنه آتاه زكاة ، ومعناه أن لا تكون شفقته داعية له إلى الإخلال بالواجب لأن الرأفة واللين ربما أورثا ترك الواجب ألا ترى إلى قوله تعالى : وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ [ النور : 2 ] وقال : قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً [ التوبة : 123 ] وقال : أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ [ المائدة : 54 ] فالمعنى إنما جعلنا له التعطف على عباد اللّه مع الطهارة عن الإخلال بالواجبات ، ويحتمل آتيناه التعطف على الخلق والطهارة عن المعاصي فلم يعص ولم يهم بمعصية ، وفي الآية وجه آخر وهو المنقول عن عطاء بن أبي رباح : وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا والمعنى آتيناه الحكم صبيا تعظيما إذ جعلناه نبيا وهو صبي ولا تعظيم أكثر من هذا والدليل عليه ما روى أنه مر ورقة بن / نوفل على بلال وهو يعذب قد ألصق ظهره برمضاء البطحاء ، ويقول : أحد أحد فقال : والذي نفسي بيده لئن قتلتموه لأتخذنه حنانا أي معظما . الصفة الرابعة : قوله : وَزَكاةً وفيه وجوه : أحدها : أن المراد وآتيناه زكاة أي عملا صالحا زكيا ، عن ابن عباس وقتادة والضحاك وابن جريج . وثانيها : زكاة لمن قبل منه حتى يكونوا أزكياء عن الحسن . وثالثها : زكيناه بحسن الثناء كما تزكى الشهود الإنسان . ورابعها : صدقة تصدق اللّه بها على أبويه عن الكلبي . وخامسها : بركة ونماء وهو الذي قال عيسى عليه الصلاة والسلام : وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ [ مريم : 31 ] واعلم أن